[ 223 ] وفيه: ان الممكن كما يحتاج في حدوثه الى المؤثر كذلك يحتاج في بقائه إليه، لانه لا يخرج عن امكانه بالوجود، ففى كل آن من الانات بما أنه ممكن الافتقار من لوازم ذاته محتاج الى المؤثر ليفيض إليه الوجود، ومفتقر الى مدد مبدعه الاول في كل حين والا لانعمد، بل بالنظر الدقى الحقيقي انه عين الحاجة لا شئ محتاج. فالانسان في كل حين - حتى حين الفعل - مفتقر الى موجده ليفيض إليه الوجود وسائر المبادئ، والا لما تمكن من ايجاد الفعل، ويكون مثله تعالى (ولله المثل الاعلى) كتأثير القوة الكهربائية في الضوء، فان الضوء لا يوجد الا حين تمده القوة بتيارها ويفتقر في بقاء وجوده الى مدد هذه القوة في كل حين. مع أن الله تعالى نفسه في مقام التشريع، والتشريع لا يلائم التفويض، إذ لا معنى للتكليف المولوي فيما لا يملك المولى منه شيئا. مع أن التفويض لا يتم الا مع سلب اطلاق الملك منه تعالى عن بعض ما في ملكه، وقد قال سبحانه " له ملك السموات والارض " 1، وقال " له الملك وله الحمد " 2، وقال " لله ما في السماوات وما في الارض " 3. الامر بين الامرين إذا عرفت فساد قول هاتين الطائفتين - أي قول الجبرية والمفوضة - وشناعة تينك المقالتين، فاعلم أن الحق هو القول بالامر بين الامرين الذى هو الخير كله. وقد مرتقريبه وتوضيحه بالمثال، ففعل العبد الاختياري وسط بين الجبر والتفويض، لانه بعد ما عرفت من نفى الجبر والتفويض بالبرهان العقلي، فالافعال الاختيارية الصادرة عن العباد بما أنها تصدر منهم بالاختيار وليس في صدورها منهم قهر واجبار، فهم مختارون فيها، والافعال ________________________________________ 1 - سورة الحديد: 5. 2 - سورة التغابن: 1. 3 - سورة البقرة: 284. (*) ________________________________________
