[ 216 ] في قول الشاعر " لدوا للموت وانبوا للخراب ". فالاية الشريفة لا تدل على أن كثيرا من الانس والجن خلقوا اليد خلوا السعير، بل تدل على أن عاقبة كثير من الطائفتين هو دخول جهنم وذيلها يدل على أن هذه العاقبة التى في انتظارهم ليست بجبر من الله تعالى، بل من ناحية أنهم افشلوا وسائل اداركاتهم بالمعاصى عن اختيار. وبذلك يظهر الجواب عن استدلال له بقوله تعالى " ان الذين كفروا سواء عليهم ءانذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم " 1 فان هذه الاية واردة في الذين كفروا باختيارهم. ولا يبعد أن يكون المراد بهم الكفار من كبراء مكة الذين عاندوا في أمر الدين ولم يألوا جهدا في ذلك، تدل خصوصا بقرينة تغيير السياق (حيث نسب الختم الى نفسه تعالى والغشاوة إليهم أنفسهم) على أن فيهم حجا بين حجابا في أنفسهم وحجابا من الله تعالى عقيب كفرهم، فأعمالهم متوسطة بين حجا بين من ذاتهم ومن الله تعالى. القول بالجبر مخالف للوجدان فالمتحصل مما ذكرناه أن شيئا من البراهين التى أقيمت على الجبر لا يتم. وأضف الى ذلك أن القول به مخالف للحس والوجدان، وذلك لان كل انسان يجد ويدرك بفطرته أنه قادر على جملة من الافعال ويتمكن من أن يفعلها أو يتركها، ولا يفعلها الا ويرى قادر على تركها. وهذا الحكم فطرى لا يشك فيه أحد ما لم يعتريه شبهة من الخارج. وقد أطبق العقلاء كافة على استحقاق فاعل القبيح للذم وفاعل الحسن للمدح، مع اطباقهم على أن الذم والمدح انما يتوجهان الى المختار دون المضطر، فكون جملة من الافعال اختيارية مما بنى عليه بناء العقلاء. ________________________________________ 1 - سورة البقرة: 6 و 7. ________________________________________