[ 212 ] وجهك وتشويق بياضك بهذا السواد ؟ فقال بلسان الحال: سلوا هذا المداد الذى ورد على وغير هيئتي وجلبتى. فقال للمداد: لم فعلت ذلك ؟ فقال: كنت مستقرا في قعر الدواة لا صعود لى بنفسى عن ذلك القعر فوردت على قضبة تسمى القلم فرقانى من مقعرى، ولو لا نزوله ما كان لى صعود. فقال للقلم: لم فعت ذلك ؟ فقال: كنت قصبا ثابتا في بعض البقاع لا حركة منى ولا سعى فورد على قهرمان سكين بيد قاطع فقطعني عن أصلى ومزق على ثبابى وشق رأسي ثم غمسني في سواد الحبر ومرارته. فقال للسكين: لم فعلت ؟ فأشارت الى اليد، فاعترض عليها فقالت: ما أنا الالحم ودم وعظم حركني فارس يقال له القدرة فاسألها. فلما سألها عن ظلمها وتعديها على اليد أشارت الى الارادة، فقال لها: ما الذى قواك على هذه القدرة الساكنة المطمئنة ؟ فقالت: لا تعجل لعل لنا عذرا وأنت تلوم، فانى ما انبعثت بنفسى ولكن بعثنى حكم حاكم وأمر جازم من حضرة القلب وهو رسول العلم على لسان العقل بالاشخاص للقدرة والالتزام لها في الفعل، فانى مسكين مسخر تحت قهر العلم والعقل فلا أدرى بأى جرم سخرت لهما وألزمت لهما الطاعة، ولكني أدرى أن تسخيري اياها بأمر هذا الحاكم العادل أو الظالم، فأقبل على العلم والعقل والقلب طالبا ومعاتبا اياهم على سبب استنهاض الارادة وانهاضها للقدرة. فقال العقل: أما انا فسراج ما اشتعلت بنفسى ولكن اشعلت وقال القلب: اما أنا فلوح ما انسبطإت ولكن بسطت وما انتشرت ولكن نشرني من بيده نشر الصحائف، اما العلم فقال: انما انا نقش في منقوش وصورة في بياض لوح القلب لما أشرق العقل وما انحططت بنفسى فكم كان هذا اللوح قبلى خاليا فاسأل القلم عنى واسأله عن هذا. فرجع الى القلم تارة أخرى بعد قطع هذه المنازل والبوادى وسير هذه المراحل والمقامات، فوقع في الحيرة حيث لم يعلم قلما الا من القصب ولا لوحا الا من العظم والخشب ولا خطا الا بالحبر ولا سراحا الا من النار، وكان يسمع في هذا المنزل هذه الاسامي ولا يشاهد شيئا من مسماها، فقال له العلم: زادك قليل وبضاعتك مزجاة ومركبك ضعيف، فالصواب لك أن تؤمن بهذه المسميات ايمانا بالعغيب وتنصرف وتدع ما انت فيه. فلما سمع السالك ذلك استشعر قصور نفسه فاشتغل قلبه نارا من حدة غضبه على ________________________________________
