[ 211 ] عالم الالوهية كله نور وكمال. ثم نقل عن بعض أصحاب القلوب، والظاهر أنه ابن العربي، أنه ذكر تقريبا للطبائع والافهام وتسهيلا لفهم التوحيد الافعالى على العقول فيما يضاف الى الجمادات والاعجام، فان الحجاب عن ادراك هذا التحقيق أمران: احدهما اختيار الانسان والحيوان، وثانيهما ما ينسب الى الجمادات وسائر الاجرام. اما الاول - فان نسبة ارادة الانسان الى مشيئة الله تعالى كنسبة ادراك الحواس الى ادراك العقل، كما في قوله تعالى " وما تشاؤن الا أن يشاء الله " 1، ونسبة مصادير أفعالها من الابدان والاعضاء كنسبة الجوارح الى القلب الذى هو أمير الجوارح، كما دل عليه قوله تعالى " يد الله فوق ايديهم " 2 " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم " 3، وقوله تعالى " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " 4. وأما الثاني فقد انكشف لدى البصائر المستنيرة أن الشمس والقمر والغيم والمطر والارض وكل حيوان وجماد مسخرات بأمره تعالى ومقبوضات بقبض قدرته، كالقلم الذى هو مسخر للكاتب وعلمه وارادته وقدرته وقوته التى في عصبه واصبعه، كما أن علمه ومشيئته واردتان من خزائن غيب الملكوت، وكتابة قلم اللاهوت على ترتيب ونظام وتقدم وتأخر من الاعلى فالاعلى الى الادنى حتى انتهى أثر القدرة من احدى حاشيتي الوجود الى الاخرى من القلم الاعلى الى القصب الادنى. وهذا مما يشاهده من انشرح صدره بنور الله ويسمع بسمعه المنور من يدرك ويقهم تسبيح الجمادات وتقديسها وشهادتها على أنفسها بالعجز والسخرية بلسان ذلق أنطقها الله به الذى أنطق كل شئ بلا حرف وصوت مالا يسمعه، الذين هم عن السمع لمعزولون. فقال بعض الناظرين من هذا المشكاة للكاغذ وقد رآه اسود وجهه: لم تسود ________________________________________ 1 - سورة الدهر: 30. 2 - سورة الفتح: 11. 3 - سورة التوبة: 14. 4 - سورة الانفال: 18. (*) ________________________________________
