[ 190 ] قلنا: ان فرض تأثير هذا الجعل في تغيير مصير الارادة فرض اخيتارية الارادة، إذ لو لا كونها اختيارية لم يكن يؤثر هذا الجعل في تغييرها. الاستدلال للجبر بمبدئية الله سبحانه القسم الثاني ما استدل به للجبر من ناحية ما وراء الطبيعة، وهو أمور: أحدها أنه قد ثبت في محله أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات وانه مبدأ الكل ولا مؤثر في الوجود الا هو، ومن جملة الاشياء أفعالنا الاختيارية، فهى مخلوقة لله سبحانه ابداعا واحداثا، قال الله عز وجل " ذلك الله ربكم خالق كل شئ لا اله الا هو " 1، وقال سبحانه، " وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم " 2 وقال " ألا له الخلق والامر " 3 فكل ما يصدق عليه اسم شئ - ومن ذلك الافعال الاختيارية - فهو مخلوق لله تعالى منسوب إليه. أقول: انه كما لا تنافى بين تأثير العلل والاسباب الطبيعية في المعلولات والمسببات نظير تأثير النار في الحرارة وماشا كل، وبين مبدئيته تعالى بعد كون زمام أمر العلل والاسباب بيده سبحانه، ولذلك قد يسند القرآن الافعال الطبيعية الى فواعلها، وقد يسند الجميع الى الله سبحانه. كذلك لا تنافى بين كون الفعل الاختياري منسوبا الى الانسان وبين استناده الى الله تعالى بعد كون أصل وجوده وحياته وقدرته حدوثا وبقاءا بافاضة من الله. ولذلك نرى أنه قد جمع في كثير من الايات بين الاثباتين جميعا، فنسب الفعل الى فاعله والى الله سبحانه، كقوله تعالى " والله خلقكم وما تعلمون " 4، فنسب أعمال الناس ________________________________________ 1 - سورة المؤمن: 26. 2 - سورة الانعام: 10. 3 - سورة الاعراف: 53. 4 - سورة الصافات: 95. (*) ________________________________________
