تشييع النجف وكربلاء؛

كيف أعاد رأس المال الاجتماعي للعالم الإسلامي صياغة معادلات المنطقة؟

كيف أعاد رأس المال الاجتماعي للعالم الإسلامي صياغة معادلات المنطقة؟

في تحليل تحولات غرب آسيا، تُفسَّر معادلات المنطقة غالباً استناداً إلى عناصر القوة العسكرية، والتحالفات السياسية، والتنافسات الأمنية، وتوازنات القوى. غير أنّ مراسم التشييع المهيبة للقائد الشهيد في النجف وكربلاء كشفت أنّ ثمة عاملاً آخر، إلى جانب عناصر القوة الصلبة، يشارك في تشكيل النظام الإقليمي، وهو رأس المال الاجتماعي العابر للحدود للعالم الإسلامي. فالحضور المليوني للشعب العراقي في هذه المناسبة لم يكن مجرد تعبير عاطفي أو ديني، بل أكد أن الروابط الدينية والتاريخية والثقافية بين شعوب الأمة الإسلامية ما زالت تمتلك قدرة مؤثرة في إعادة تشكيل معادلات المنطقة.

ولا ينبغي اختزال أهمية هذا الحدث في حجم الحشود أو هيبة مراسم التشييع. فما منح هذه المناسبة بعدها الاستراتيجي هو تحول الرصيد الرمزي الذي يمثله القائد إلى رأس مال اجتماعي مشترك بين الشعوب. فعندما يشارك ملايين الأشخاص، متجاوزين الحدود السياسية، في فعل جماعي واحد في النجف وكربلاء، فإن ذلك يفضي إلى تشكل نمط من الثقة الاجتماعية العابرة للحدود، تتجاوز آثاره دائرة المشاعر العامة لتنعكس على مجالات الأمن والسياسة والتعاون الإقليمي.

إن هذا رأس المال الاجتماعي ليس وليد يوم واحد أو مناسبة عابرة، بل هو ثمرة عقود من التفاعل بين الحوزات العلمية، وثقافة الزيارة، والخبرات المشتركة في مواجهة التطرف، والعلاقات الشعبية، والشعائر الإسلامية الجامعة. وقد وفرت هذه العوامل رصيداً اجتماعياً متراكماً يتجلى في اللحظات التاريخية المفصلية عبر الحضور الشعبي الواسع. ومن هذا المنطلق، فإن تشييع النجف وكربلاء لم يكن بدايةً لحالة من التضامن، بل كشف عن طاقة اجتماعية تراكمت عبر سنوات طويلة.

ومن منظور الجيوبوليتيك الاجتماعي، فإن أبرز دلالات هذا الحدث تتمثل في أن معادلات المنطقة لم تعد قابلة للفهم من خلال أدوات القوة الصلبة وحدها. فكلما تعزز رأس المال الاجتماعي بين شعوب الأمة الإسلامية، ارتفعت كلفة المشاريع القائمة على إذكاء الانقسامات المذهبية والقومية والهوياتية. ويستند رأس المال الاجتماعي، بخلاف التحالفات السياسية المؤقتة، إلى الثقة العامة، والذاكرة التاريخية، والهوية المشتركة، الأمر الذي يمنحه قدراً أكبر من الاستدامة. ومن شأن هذا الرصيد أن يهيئ الأرضية لتوسيع آفاق التعاون بين شعوب المنطقة، ويحد من فرص نجاح السياسات الهادفة إلى تكريس التباعد والانقسام.

ومن جهة أخرى، فإن احتضان النجف وكربلاء لهذه المراسم لم يبرز مكانتهما بوصفهما مدينتين مقدستين فحسب، بل أكد أيضاً دورهما بوصفهما مركزين لإنتاج التضامن داخل العالم الإسلامي. فقد أثبتت المدينتان في هذا الحدث أنهما ما تزالان تمتلكان القدرة على بناء الجسور بين الشعوب، وتحويل الرصيد المعنوي إلى رأس مال اجتماعي، وهي قدرة يمكن أن تسهم في الحد من التوترات داخل العالم الإسلامي وتعزيز الحوار والتقارب بين المسلمين.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة لم تحظ بالاهتمام الكافي، وهي التحول في مفهوم «العمق الاستراتيجي». فإذا كان هذا المفهوم يُقاس في السابق بالمعايير العسكرية والأمنية بصورة أساسية، فإن تشييع النجف وكربلاء أثبت أن العمق الاستراتيجي لا يمكن أن يستمر من دون حاضنة اجتماعية وثقافية. فالحضور المليوني كشف عن وجود شبكة واسعة من الثقة والهوية المشتركة ورأس المال الاجتماعي، تتجاوز الحدود السياسية، وتؤثر بصورة مباشرة في الحسابات الاستراتيجية للمنطقة.

وعليه، فإن تشييع النجف وكربلاء لم يكن مجرد مراسم عزاء، بل مثّل لحظة برز فيها متغير طالما غاب عن كثير من التحليلات السياسية، وهو رأس المال الاجتماعي للعالم الإسلامي. وقد أكد هذا الحدث أن هذا الرصيد، متى ما تأسس على المرجعية الدينية، والذاكرة التاريخية، والمشاركة الشعبية، فإنه يصبح عاملاً مؤثراً في إعادة صياغة معادلات المنطقة. ولعل أبرز ما يكشفه هذا الحدث هو أن مستقبل غرب آسيا لن تحدده موازين القوة العسكرية وحدها، بل سيكون للشعوب القادرة على إنتاج رأس مال اجتماعي مشترك وصيانته الدور الأكثر تأثيراً في رسم ملامح النظام الإقليمي القادم.