دور الاحتلال الإسرائيلي في تعميق الانقسامات المذهبية في لبنان؛ استراتيجية لإضعاف المقاومة و التماسك الإسلامي!
شهد لبنان خلال العقود الماضية واحداً من أهم ميادين المواجهة بين الكيان الصهيوني وقوى المقاومة الإسلامية. غير أنّ دراسة السلوك الإسرائيلي تكشف أنّ أهداف تل أبيب لا تقتصر على إضعاف جهة عسكرية أو سياسية بعينها، بل تتجاوز ذلك إلى تبنّي استراتيجية أشمل تقوم على صناعة الانقسامات الداخلية وتعميقها، ولا سيما الانقسامات المذهبية والطائفية. وقد أثبتت التجارب التاريخية أنّ الاحتلال الإسرائيلي كلما عجز عن تحقيق أهدافه من خلال المواجهة المباشرة مع المقاومة، سعى إلى نقل الأزمة إلى داخل المجتمعات الإسلامية بغية استنزاف قوى المقاومة وإضعافها من الداخل.
ومن منظور المؤسسة الإسرائيلية، لا يُعدّ حزب الله مجرد فاعل لبناني محلي، بل يُنظر إليه بوصفه جزءاً أساسياً من محور المقاومة على المستوى الإقليمي. لذلك فإن الاعتداءات العسكرية على لبنان لا تستهدف إلحاق الضرر بتنظيم سياسي أو عسكري فحسب، وإنما تأتي في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف شبكة المقاومة الممتدة في المنطقة. وفي هذا السياق، تدرك تل أبيب أن هزيمة المقاومة عبر الحرب العسكرية المباشرة ليست مهمة يسيرة، ولذلك تلجأ إلى إثارة الانقسامات الداخلية وتعزيز الخلافات المذهبية من أجل خلق حالة من العزلة السياسية والاجتماعية للمقاومة داخل الساحة اللبنانية.
ومن أبرز أدوات هذه الاستراتيجية استثمار الخلافات السياسية القائمة في لبنان. ففي ظل تحويل بعض القوى السياسية اللبنانية قضية سلاح حزب الله إلى محور رئيسي للصراعات الداخلية، يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى استغلال هذه الأجواء لزيادة الضغوط على المقاومة. كما أن صمت بعض الأطراف الداخلية أو ضعف مواقفها تجاه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي اللبنانية عزّز لدى الدوائر الصهيونية قناعة بإمكانية توظيف الانقسامات السياسية والمذهبية القائمة للإضرار بالوحدة الوطنية اللبنانية. فكلما اتسعت هوة الخلافات بين الطوائف والقوى السياسية اللبنانية، تراجعت الكلفة السياسية والأمنية التي يتحملها الاحتلال الإسرائيلي نتيجة اعتداءاته.
وترتكز الاستراتيجية الإسرائيلية في لبنان على قاعدة قديمة مفادها أن المجتمع المنهمك في صراعاته الداخلية يكون أقل قدرة على مواجهة التهديدات الخارجية. ومن هنا، سعت تل أبيب باستمرار إلى تحويل الصراع من كونه مواجهة بين المحتل والشعب اللبناني إلى نزاع بين مكوّنات المجتمع اللبناني نفسه. وفي مثل هذا المناخ، يتراجع الاهتمام بالقضية الأساسية المتمثلة في العدوان الخارجي، بينما تتجه الأنظار نحو الخلافات المذهبية والطائفية والسياسية. وهو النموذج ذاته الذي جرى توظيفه مراراً في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، وكانت نتائجه دائماً تصب في اتجاه إضعاف الأمة الإسلامية واستنزاف قدراتها.
وثمة عامل آخر يسهم في تصعيد التوترات يتمثل في ربط التطورات اللبنانية بالمعادلات الإقليمية الأوسع. فالاحتلال الإسرائيلي يعمل على تعطيل أي مسار سياسي قد يفضي إلى خفض التوترات في المنطقة. وفي هذا الإطار، يمكن فهم تصعيد الاعتداءات على لبنان بوصفه أداة لزيادة تعقيد المشهد السياسي ومنع تهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو تحقيق استقرار إقليمي مستدام. ومن منظور تل أبيب، فإن استمرار حالة الأزمة وعدم الاستقرار في لبنان يوفّر فرصة مناسبة للإبقاء على الضغوط المفروضة على المقاومة ومنع تثبيت توازنات إقليمية جديدة.
والأهم من ذلك أن تداعيات هذه السياسة لا تقتصر على لبنان وحده. فأي تعميق للانقسام بين السنة والشيعة أو بين مختلف الطوائف اللبنانية ينعكس سريعاً على مجمل الفضاء الإسلامي. وقد شكّل لبنان، بحكم تجربته التاريخية في التعايش بين المذاهب وتنوّع مكوّناته الدينية والسياسية، نموذجاً لإمكانية الحوار والتفاعل بين مختلف المدارس الإسلامية. ومن ثم فإن إضعاف الوحدة الداخلية اللبنانية قد يتحول إلى نموذج سلبي يؤثر في مجتمعات إسلامية أخرى ويُربك مشاريع التقريب والوحدة الإسلامية.
واليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى إلى أن يميّز النخب الدينية والسياسية والثقافية في العالم الإسلامي بين الخلافات الداخلية من جهة والتهديدات الخارجية من جهة أخرى. فقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الاحتلال الإسرائيلي ينظر إلى كل انقسام مذهبي أو سياسي داخل العالم الإسلامي باعتباره فرصة ثمينة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الوحدة الوطنية اللبنانية وتعزيز الحوار بين المذاهب الإسلامية لا يمثلان مجرد ضرورة داخلية تخص لبنان، بل يشكلان جزءاً من استراتيجية أشمل لحماية تماسك الأمة الإسلامية في مواجهة مشاريع التفتيت وإثارة الفتن.
وفي الختام، فإن أمن لبنان لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يتطلب أيضاً الحفاظ على الرصيد الاجتماعي وتعزيز التماسك بين مختلف الطوائف والمذاهب. وكلما نجح اللبنانيون في إدارة خلافاتهم عبر الحوار والتفاهم الوطني، تراجعت قدرة الاحتلال الإسرائيلي على استثمار الانقسامات المذهبية والطائفية لخدمة أهدافه. وعليه، فإن الوحدة الإسلامية وتقريب المذاهب في هذه المرحلة لا يمثلان مجرد شعار سياسي، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة مشروع يقوم منذ عقود على تغذية الانقسامات وإدامة التشرذم داخل العالم الإسلامي.
