الأزهر و المسؤولية التاريخية و ضرورة النظرة الشاملة إلى تحولات العالم الإسلامي
أثار البيان الأخير الصادر عن الأزهر الشريف بشأن التطورات العسكرية في المنطقة وإدانته للإجراءات التي اتخذتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية تساؤلاً مهماً أمام النخب الفكرية والدينية في العالم الإسلامي: إلى أي مدى تستطيع المؤسسات الدينية المرجعية، عند تعاملها مع الأزمات الجيوسياسية المعقدة، أن تتجاوز الرؤى الأحادية وأن تقدم صورة شاملة للوقائع الميدانية؟
لا شك أن الأزهر الشريف يُعد من أبرز المؤسسات العلمية والدينية لأهل السنة في العالم الإسلامي، وأن مواقفه لا تُفهم باعتبارها مجرد تصريحات سياسية عابرة، بل تؤثر في الرأي العام الإسلامي في مختلف البلدان. ومن هنا يُنتظر من مؤسسة بهذا الحجم والمكانة أن تنظر إلى الأزمات الإقليمية من زاوية شاملة، فلا تكتفي بالتعامل مع النتائج والانعكاسات الظاهرة للأحداث، بل تتناول كذلك السياقات والعوامل والأسباب العميقة التي أسهمت في تشكيلها.
ومن أبرز الملاحظات التي يمكن تسجيلها على البيان الأخير غياب النظرة الشمولية إلى سلسلة التطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة. ففي الوقت الذي انتقد فيه البيان الرد الإيراني، لم يتطرق إلى الوجود العسكري الأمريكي الواسع في المنطقة، ولا إلى الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه واشنطن للكيان الصهيوني، ولا إلى استخدام بعض القواعد العسكرية الموجودة في دول إسلامية للضغط على دول أخرى في المنطقة، فضلاً عن الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
ويؤدي هذا النوع من المقاربات، ولو بصورة غير مقصودة، إلى ترسيخ الانطباع بأن جزءاً من الحقيقة قد تم تسليط الضوء عليه، بينما جرى تجاهل أجزاء أخرى لا تقل أهمية. ومن منظور الفقه السياسي الإسلامي، فإن إصدار الأحكام على النزاعات دون دراسة أسبابها ومقدماتها لا يمكن أن يفضي إلى تقييم متكامل. فالقرآن الكريم يدعو المسلمين إلى الالتزام بالعدل حتى في حالات الخصومة والخلاف، ويؤكد أن العداوة لا ينبغي أن تكون سبباً للتخلي عن الإنصاف.
ومن المنظور الاستراتيجي يبرز سؤال جوهري: هل يمكن الحديث عن حالة عدم الاستقرار في المنطقة مع تجاهل أحد أهم أسبابها خلال العقود الماضية، والمتمثل في الاحتلال الإسرائيلي، والتوسع المستمر في الوجود العسكري للقوى الخارجية، وتحويل بعض الدول الإسلامية إلى ساحات للتنافس بين القوى الدولية؟
إن قطاعاً واسعاً من الرأي العام في العالم الإسلامي يرى أن جذور الأزمات الراهنة لا تكمن في ردود الأفعال الدفاعية التي تقوم بها بعض دول المنطقة، بل في استمرار مشاريع الهيمنة الخارجية على منطقة غرب آسيا. ومن هذا المنطلق، فإن أي قراءة تركز على النتائج وتتجاهل الأسباب البنيوية للأزمة ستبقى عرضة للتساؤلات والنقد.
وثمة قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي مسؤولية الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أجنبية. ففي القانون الدولي، لا يمكن للدولة التي تسمح باستخدام أراضيها أو منشآتها العسكرية في عمليات تستهدف دولة أخرى أن تعتبر نفسها خارج إطار النزاع بصورة كاملة. كما أن التراث الفقهي الإسلامي لطالما نظر بعين النقد إلى كل أشكال الإعانة على الظلم أو التمهيد للاعتداء على الآخرين. ولذلك، يُنتظر من المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، إلى جانب إدانتها لأي استهداف للمدنيين، أن تتبنى موقفاً واضحاً من مسألة الوجود العسكري الأجنبي في الأراضي الإسلامية.
وعلى مستوى أعمق، فإن الإشكالية ترتبط بطبيعة المقاربة التي تعتمدها بعض النخب والمؤسسات الدينية العربية في قراءة التطورات الإقليمية. فخلال العقود الأخيرة تأثرت بعض هذه المؤسسات باعتبارات الدولة الوطنية والتوازنات السياسية الإقليمية، الأمر الذي أدى أحياناً إلى تفسير القضايا الدينية من منظور المصالح السياسية والأمنية للدول، بدلاً من النظر إليها في إطار مفهوم الأمة الإسلامية ومصالحها الكبرى.
ويحمل هذا المسار مخاطر حقيقية تتمثل في ابتعاد المؤسسات الدينية عن رسالتها التاريخية بوصفها مرجعاً للعدالة والدفاع عن المصالح العليا للأمة الإسلامية.
ومن زاوية الوحدة الإسلامية، فإن مثل هذه المواقف تستوجب قدراً كبيراً من التأمل. فالوحدة لا تعني التطابق السياسي الكامل، ومن الطبيعي أن توجد اختلافات في الرؤى والمواقف بين الدول الإسلامية وحتى بين المؤسسات العلمية والدينية. غير أن التركيز على طرف واحد من أطراف الأزمة، مع إغفال العوامل الأساسية التي أسهمت في نشوئها، قد يؤدي إلى تعميق سوء الفهم وتوسيع الفجوات القائمة داخل العالم الإسلامي.
واليوم، تبدو الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى خطاب يقوم على العدالة والحوار والفهم المشترك للتحديات الحقيقية. فالتحدي الرئيسي الذي يواجه العالم الإسلامي لا يتمثل في الاختلافات المذهبية الداخلية، بل في المشاريع الهيمنية التي تستثمر تلك الاختلافات بهدف إضعاف المسلمين وتفكيك قدراتهم الجماعية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي موقف قد يؤدي، ولو بصورة غير مباشرة، إلى إضعاف هذا الإدراك المشترك للأولويات الاستراتيجية، قد ينعكس سلباً على مسار التقارب والتضامن الإسلامي.
وبناءً على ذلك، يُنتظر من الأزهر الشريف، بما يمتلكه من رصيد تاريخي ومكانة علمية مرموقة، أن يتبنى في مواقفه المستقبلية رؤية أكثر شمولاً واتزاناً، تُدين كل اعتداء يستهدف المدنيين، وفي الوقت نفسه تُسلط الضوء على الأسباب الحقيقية للأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الاحتلال، والتدخلات الخارجية، والدعم المقدم للكيان الصهيوني، وتقويض استقلال الدول الإسلامية.
فبهذه المقاربة المتوازنة وحدها تستطيع المؤسسات الدينية أن تؤدي دورها الحقيقي في تعزيز وحدة الأمة الإسلامية والدفاع عن قيم العدالة والاستقلال في العالم الإسلامي.
أمید علي بور
رئيس تحرير المواقع الإلكترونية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
