[ 203 ] وأما الاية الثانية وما بمضمونها نظير قوله تعالى " والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم " 1، وقوله سبحانه " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء " 2، وقوله " انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء " 3 الى غير ذلك من الايات، فهى تدل على أن الهداية الخاصة وكذا ما يقابلها مختصة بطائفة خاصة. توضيحة: ان الهداية هي الارشاد والدلالة، والهدى ضد الضلال، والهداية من الله تعالى على قسمين عامة وخاصة، والاولى قد تكون تكوينية وقد تكون تشريعية. والهداية العامة التكوينية ما أعدها الله تعالى في طبيعة كل موجود، فهى تسرى بطبعها أو باختيارها نحو كمالها، الفارة تفر من الهرة ولا تفر من الشاة، والنمل يهتدى الى تشكيل جمعية وحكومة، والطفل يهتدى الى ثدى امه. وهكذا، قال " ربنا الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " 4. والهداية التشريعية العامة هي افاضة العقل على الانسان العقل على الانسان ثم ارسال الرسل وانزال الكتب. وأما الهداية الخاصة فهى عناية ربانية خص الله بها بعض عباده حسب ما تقتضيه حكمته، فيهئ له ما به يهتدى الى كماله ويصل الى المقصودة، ولو لا تسديده لوقع في الغى والضلالة، ومع ذلك لا يكون مجبورا في ذلك. وفي امثال هذه الاية أشير نكته لطيفة، وهى الرد على القائلين باله الخير واله الشر، أي المجوس الملتزمين بأن وسائل الشر انما تكون متحققة بايجاد اله الشر وان الله تعالى لا يهئ تلك الوسائل، وتدل على ان الأسباب كلها من الله تعالى. وأما الاية الثالثة وما بمضمونها فانما تدل على أن جميع الافعال واقعة تحت المحاسبة، سواء أكانت ظاهرة أم لا، غاية الامر الله تعالى أن يغفر لمن يشاء. ________________________________________ 1 - سورة البقرة: 212. 2 - سورة الانعام: 144. 3 - سورة العنكبوت: 69. 4 - سورة طه: 50. (*) ________________________________________
