باحثة اسلامية عراقية : النبي (ص) جاء برسالة عالمية قائمة على الرحمة والهداية والوحدة
اكدت الباحثة الاسلامية العراقية الدکتورة ساره سمیر، ان "بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، شكلت نقطة تحول كبرى في تاريخ البشرية"؛ مبينة ان "الرسول الاعظم (ص) جاء برسالة عالمية قائمة على الرحمة والهداية، وجعل الوحدة الإسلامية أساسًا لاستمرارها".
وفي مقال لها خلال الندوة الافتراضية للمؤتمر الدولي الـ 39 للوحدة الاسلامية التي عقدت برعاية المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب، اضافت هذه الباحثة الاسلامية، انه "لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائدًا دينيًا فحسب، وإنما كان مشرّعًا ومربّيًا وبانيًا لمجتمع متماسك يجمعه الإيمان بالله والولاء للعقيدة، فقد جاء بالإسلام كرسالة توحيد الله تعالى وتوحيد صفوف المسلمين".
وتابعت : إن الوحدة ليست خيارًا ثانويًا، وإنما هي من الاولويات التي دعا إليها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم؛ لافتة الى ان "جميع المذاهب الإسلامية تتفق حول الكثير من المسائل، وما يجمعها أكثر مما يفرقها".
وفيما يلي نص المقال : -
بسم الله الرحمن الرحيم/
والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين محمد الأمين، وعلى آله وصحبه المنتجبين.
نبارك للإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله فرجه الشريف، وندعمه للمسلمين، لا سيما المؤمنين المجاهدين، ذكرى ولادة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وحفيده الإمام الصادق عليه السلام.
كانت بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نقطة تحول كبرى في تاريخ البشرية، إذ جاء برسالة عالمية قائمة على الرحمة والهداية، وجعل الوحدة الإسلامية أساسًا لرغبتها واستمرارها.
لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائدًا دينيًا فحسب، وإنما كان مشرّعًا ومربّيًا وبانيًا لمجتمع متماسك يجمعه الإيمان بالله والولاء للعقيدة، فقد جاء بالإسلام برسالة توحيد الله تعالى وتوحيد صفوف المسلمين.
إن الوحدة ليست خيارًا ثانويًا، وإنما هي من أولوياتها التي دعا إليها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم. وهنا لا بد لنا أن نتطرق إلى مفهوم الوحدة؛ فالوحدة لغة تعني الانسجام والتكامل والاتحاد، أما اصطلاحًا فتعني وحدة الأمة الإسلامية.
كما أشار إليه الإمام الخميني قدّس سره الشريف، إذ قال : نحن والمسلمون من أهل السنة كيان واحد لأننا مسلمون وإخوة، وإذا قال أحدٌ كلامًا يفرقنا فاعلموا أنه إما جاهل أو هو ممن يعمدون إلى بث الخلاف بين صفوف المسلمين.
لذا فإن الوحدة الإسلامية هي اتحاد جميع المسلمين لتحقيق هدف واحد ومشترك، ولا بد لنا أن نوضح أن الوحدة الإسلامية التي نادى بها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، هي ليست أن تتخلى الطوائف الإسلامية المتعددة عن أصولها العقائدية وغير العقائدية.
فهذا الأمر غير منطقي ولا يقبله الواقع، فقد جعل نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم الوحدة حصن الأمة ضد التحديات الداخلية والخارجية، التي من خلالها ألغى الفوارق القبلية والطبقية، وأقام الانتماء على أساس العقيدة والإيمان.
الوحدة الإسلامية من أهم مقومات ومرتكزات هذا الدين الحنيف، فالإسلام يدعو إلى الوحدة والإخاء ضد الفرقة، والمصلحة الإسلامية هي عنوان الإسلام.
اذ بالوحدة نكون الأقوى والأصلح لنشر هذا الدين بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وعلى هذا النهج القويم سار الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وأئمة الهدى من آل البيت عليهم السلام، الذين أمرهم الله سبحانه وتعالى بالحفاظ على الوحدة، مقدمين مصلحة الإسلام والأمة على مصلحتهم الخاصة، لأن الأمة الإسلامية هي أمة القرآن، كما في قوله تعالى: "[واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون].
الآية الكريمة تأمرنا بالتمسك بالوحدة، وتنهى عن الاختلاف والعداوة فيما بيننا، لأنه يؤدي إلى انهيار المجتمعات وابتعادها عن خط الاستقامة، بما يحدث من التمزق الأخلاقي والسقوط الاجتماعي.
كما قال الشيخ الشعراوي في تفسيره : إن الذين فرّقوا دينهم، نفس الدين إنما جاء ليُجمِع لا ليفرّق، والدين جاء ليوحّد مصدر الأمر والنهي في الأفعال الأساسية، فلا يحدث بيننا وبين بعضنا أي خلاف، إذ إن الذين يفرّقون في الدين إنما يناقضون منهجك في السماء الذي جاء ليجمع الناس على شيء واحد لتتساند حركات الحياة ولا تتعاند.
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى مبلّغًا من الله عز وجل، ومبيّنًا للقرآن الكريم، فلا وجود للتناقض بين القرآن والسنة الشريفة، لأن السنة مبيّنة وموضّحة للقرآن الكريم، والقرآن أمر باتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لذا فإن طاعة الرسول من طاعة الله جل جلاله، كما في قوله تعالى: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب].
من هنا، يتوجب علينا نحن المسلمين جميعًا أن ننصهر في منطقة واحدة، وأن نتحول إلى وحدة واحدة، لأنهم جميعًا يعبدون ربًا واحدًا، ويتبعون رسولًا واحدًا هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويتوجهون إلى قبلة واحدة، والقرآن الذي يدعونه واحد، وقد حاول أئمة أهل البيت عليهم السلام أن يوحّدوا الأمة الإسلامية مستنيرين بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بالرغم من الظلم والعدوان الذي حصل بحقهم، وإبعادهم عن موقعهم في قيادة الأمة الإسلامية؛ فهم عليهم السلام لم يأتوا بدين وفكر غير فكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الإمام الصادق قال: [حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السلام، وحديث أمير المؤمنين عليه السلام حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث الرسول قول الله عز وجل].
ويبيّن الإمام الباقر عليه السلام: [لو أننا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل الذين من كان قبلنا، ولكننا حدثنا ببينة من ربنا، بيّنها لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فبيّنها لنا].
لذا فإن جميع المذاهب الإسلامية تتفق حول الكثير من المسائل، وما يجمعها أكثر مما يفرقها، إلا أن إدارة نقاط الخلاف فيما بينها والعمل الأكبر الذي تقوم به القوى المستكبرة والمستعمرة من خلال تسخير الكثير من الوسائل الدعائية والإعلامية والأقلام المأجورة.
يقول الإمام الخميني قدّس سره الشريف : الذين يدّعون الإسلام ويسعون من أجل زرع الفرقة والتنازع لم يجدوا ذلك الإسلام الذي كتابه القرآن، وقبلته الكعبة، ولم يؤمنوا بالإسلام. إن الذين آمنوا بالإسلام إنما هم الذين يقولون القرآن، والقرآن الذي يقول : [إنما المؤمنون إخوة]، فيلتزمون بكل ما تقتضيه الأخوة، بأن يتأثر جميع الإخوان أينما كانوا إذا ألمّت بأحدهم مشكلة، وأن يفرحوا جميعًا لفرحه.
من أهم مقومات الوحدة الإسلامية التي يمكن للمسلمين استثمارها بشكل كبير ليرتقوا إلى المكان الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يكونوا فيه، هو موسم الحج، وهو ميدان تجلّي عظمة طاقات المسلمين واختبار قواهم المادية والمعنوية.
فالحج فريضة إلهية لها أبعاد توحيدية كبيرة، وهو مؤتمر كبير يجمع المسلمين من كل أقطار العالم، وللحج القدرة على توحيد صفوف المسلمين. لذا علينا أن نستثمر هذه الفرصة بمعرفة الخطر الذي يواجه المسلمين، فالوحدة الإسلامية تواجه العدو المشترك للمسلمين، الذي نراه اليوم، إذ إنه يقوم بالحرب على كل بلد من بلاد المسلمين على حدة، محاولة منه بالانفراد بهذا البلد وإضعافه، ومن ثم الانتقال إلى بلد آخر.
وعليه يجب أن تكون هذه الدول متحدة لتكون صفًا واحدًا وسدًا منيعًا يخلق الرعب في نفوس الاستكبار والهيمنة الصهيونية، كما في قوله تعالى: [إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص].
هنا يبرز دور العلماء، علماء الدين، وأهمية خطاباتهم الدينية لإرساء الوحدة الإسلامية، التي هي جزء أساسي في إرساء دعائم الوحدة وتوحيد صفوف المسلمين، فعليهم أن يكونوا قلبًا واحدًا في اتجاه واحد، في طريق إنقاذ البشرية من سيطرة الاستكبار والصهاينة؛ نذكر هنا دور الإمام الخميني قدّس سره الشريف، الذي بذل جهودًا علمية كثيرة في شتى الميادين لإرساء ثقافة الوحدة الإسلامية ودعائمها، حتى يمكننا أن نقول إنه رائد الوحدة الإسلامية في القرن العشرين، إذ إنه استغل كل فرصة لينبّه المسلمين كيف لهم الخلاص من المعاصي والنكبات المتلاحقة التي مرّوا بها، لا سيما النكبة الكبرى، سقوط فلسطين بيد الصهاينة، التي يعتبرها أمّ القضايا، بين القضية المركزية التي ينبغي أن تحتل الحيز الأكبر والمرتبة الأولى بين قضايا الأمم والشعوب.
فقد نبّهنا قدّس سره أن محاولة تفريق الأمة هو عدم مطالبتنا بحقوقنا، ولا سيما حق المسلمين في الأراضي المقدسة في فلسطين.
في الختام، من واجب الأمة الإسلامية اليوم ليس إقامة الاحتفالات بمناسبة ذكرى ولادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وولادة حفيده الإمام الصادق عليه السلام، فهذا أمر بسيط بالنسبة لواجباته؛ا إنما عليها السير على خطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بث روح الألفة والمحبة في العالم الإسلامي، فالوحدة هي الحائط المنيع أمام استقواء المتكبرين.
وهنا يأتي دور المسلمين في استثمار أي فرصة يجتمعون فيها، كشهر رمضان المبارك، وأيام الحج الأكبر، ويوم القدس، وأسبوع الوحدة الإسلامية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
