[ 604 ] بما يقولون وإن بدت لكم مفارقات ما جاءوا به من آراء. وما أحسن ما قاله الاستاذ المراغي، وهو ينعي على دعاة الجمود موقفهم من حرية الفكر: (ليس مما يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها ان ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والاصول لا يكفي لفهم خطاب العرب، ولا لمعرفة الادلة وشروطها، وإذا صح هذا فيالضيعة الاعمار والاموال التي تنفق في سبيلها (1))، ثم يقول: (واني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد، أخالفهم في رأيهم، واقول ان في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيه شروط الاجتهاد وحرم عليه التقليد (2)). والشئ الذي لم أملك تماما توجيهه في كلامه - بعد هذه الدعوة الهادفة - هو قوله: (والواقع أنه في اكثر المسائل التي عرضت للبحث وافتى الفقهاء فيها، لم يبق للمجتهد، إلا اختيار رأي من آرائهم فيها، أما الحوادث التي تجد فهي التي تحتاج إلى آراء محدثة (3)). والذي يوحي به كلامه، أنه فهم من الاجتهاد انه إحداث رأي جديد، وهو لا يكون إلا في الامور المستحدثة لاستيعاب الفقهاء مختلف الاقوال في المسألة المبحوثة غالبا، ووظيفة المجتهد بالنسبة إليها اختيار واحد منها. مع أن الاجتهاد، كما سبق تحديده، ملكة تحصيل الحجج على الاحكام الشرعية أو الوظائف، سواء كانت موافقة لآراء غيره أم مخالفة. وكونهم مستوعبين للاقوال في المسألة، لا يسقط عنه وظيفة اعمال ملكته في مقابلهم، حتى ينتهي إلى الرأي الذي يراه موافقا للحجة من بينها. ________________________________________ (1 - 2 - 3) المراغي في بحثه السابق في رسالة الاسلام، ج 3 س 1 ص 350 وما بعدها. (*) ________________________________________