[ 179 ] للانفسام والتجزي كما نجد البدن وأجزاءه وخواصه. فليست تلك الحقيقة هو البدن ولا شيئا من أجزائه، ولا خاصة من خواصة. وأنكر الماديون وجود هذه الحقيقة، وقالوا: ان الانية التى تشاهد ليست الا سلسلة الاعصاب التى تؤدى الا دراكات الى العضو المركزي، وهو الجزء الدماغى على التوالى وفي نهالية السرعة، غاية الامر على صفة الوحدة. ففى ذلك الجزء الدماغى مجموعة متحدة ذات وضع واحد لا يتميز أجزاؤها ولا يدرك بطلان بعضها وقيام الاخر مقامه، وهذا الواحد المتحصل هو نفسنا التى نشاهدها ونحكي عنها ب‍ " أنا "، فالذي نرى أنه ثابت فهو في الحقيقة مشتبه على المشاهدة من جهة توالى الواردات الا دراكية وسرعة ورودها. وذكر بعضهم في تنظيره بقوله: كالحوض الذى يرد عليه الماء من جانب ويخرج من جانب بما يساويه وهو مملوء دائما، فما فيه من الماء يجده الحس واحدا ثابتا وهو بحسب الواقع لا واحد ولا ثابت، وكذا يجد صورة الانسان أو الشجر أو غير هما فيه واحدا ثابتا وليس بواحد ثابت بل هو كثير متغير تدريجا بالجريان التدريجي الذى لاجزاء الماء فيه. وعلى هذا النحو وجود الثبات والواحدة والشخصية التى نرى في النفس، والذى نرى أنه غير جميع أجزائنا صحيح لكنه لا يثبت أنه غير البدن وغير خواصه، بل هو مجموعة متحدة من جهة التوالى والتوارد لا تغفل عنه، فان لازم الغفلة وقوف الاعصاب عن أفعالها، وهو الموت. وأيضا قالوا: ان كل خاصة من الخواص البدنية وجدنا علتها المادية ولم نجد أثرا روحيا لا يقبل الانطباق على قوانين المادة حتى نحكم بوجود حقيقة الانية. وقال المتأخرون منهم: ان المتحصل من التشريح والفزيو لوجيا ان الخواص الروحية الحيوية تستند الى جرائيم الحياة والسلولات التى هي الاصول في حياة الانسان، فالنفس أثر مخصوص لكل واحد منها أرواح متعددة، فالانية المشهودة للانسان على صفة الوحدة مجموعة متكونة من أرواح غير محصورة على صفة الاجتماع، ولذا هذه الخواص الروحية تبطل بموت السلولات وتفسد بفسادها، فلا معنى للروح المجردة الباقية بعد فناء التركيب البدني. ________________________________________